الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية
مقدمة الناشر
ستظل سيرة الرسول الله هي الرصيد التاريخي الأول الذى تستمد منه الأجيال المتلاحقة من ورثة النبوة وحملة مشاعل العقيدة زاد مسيرها، وعناصر بقائها، وأصول امتدادها.
ومن درس تاريخه الله وأعطاه حقه من النظر والفكر والتحقيق رأى، نَسَقا من التاريخ العجيب، استعلى به الرسول الله والفئة المؤمنة معه على عناصر المادة وعوامل الجذب الأرضى وارتقوا بالإنسانية إلى درجات لم تشهدها على امتداد عصورها وأزمانها. ومن يُعمق النظر في سيرته ، محاولا أن يتتبع السر الذي وقع في التاريخ القفر المجدب فأخصب به، وأنبتت الدنيا أزهاره الإنسانية الجميلة، فأنشأ صلى الله عليه وسلم رجالا، إن عبتهم بشيء لم تعبهم إلا أنهم دون الملائكة، يجدها تقول له: إن هاهنا دنيا الصحراء، التي تربي في أحضانها الرجال الذين دخلوا بالإسلام على ما دخل عليه الليل. ولو تأملت في أفعاله وجدتها تقول لك: إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد.
ولم يكن لا اله الا الله في الصبر على البلاء والثبات على الحق واستقرار النفس واطمئنانها على زلازل الدنيا، ولا فى الرحمة ورقة القلب والسمو فوق معانى البقاء الأرضي، فهو قد خلق كذلك ليغلب الحوادث ويتسلط على المادة.
وبذلك كان منبع تاريخ في الإنسانية كلها دائما، وللدنيا رأسَ نظام أفكارها الصحيحة.
ولقد طبع الله سبحانه وتعالى على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فباعد بينه وبين زيغ الهوى وسَرَف الطبيعة؛ ولذلك يجب على من يقرأ سيرته ويتعرف على شمائله وحديثه أن يبحث دائما عن طابع الله في كل شيء فيها، وسيظهر له من تفسيرها أن الدنيا لم تستطع أن تحقق غايتها الأخلاقية العليا إلا فيها ، وأنه لو كان إنسانا ، وكان أيضًا حركة في تقدم الإنسانية، وأن من معجزات الله أنه أضاف في تاريخه ما عجزت عنه البشرية في تاريخها، وأن كل أموره صلى الله عليه وسلم موضوعة وضعًا إلهيًا كأنها صفات كَوَّنها الله وعَلَّقها في التاريخ لمعاني الحياة تعليق الشمس في السماء لمواد الحياة.
ولو تأملت بيانه ، تجده ينقلك إلى مثل الحالة التي تتأمل فيها روضة تتنفس على القلب، أو منظرًا يهز خياله النفس، أو عاطفة تزيد بها الحياة فى الدم، على هدوء وروح وإحساس ولذة، ثم يزيد على ذلك أنه يصلح من الجهات الإنسانية في نفسك، ثم يرزق الله منه من رزق النور، فإذا أنت فى ذوق البيان كأنما ترى المتكلم وراء كلامه. هكذا يكون النظر في كلامه ، فهو كلام كلما زدته فكرًا زادك معنى، وتفسيره قريب.. قريب كالروح في جسمها البشرى، ولكنه بعيد كالروح في سرها الإلهي، فهو معك على قدر ما أنت معه إن وقفت على حَدٌ وَقَفَ ، وإن مددتَ مَدَّ، وما أديت به تأدى، وليس فيه شيء
- متوفر
-
أضف المنتج للمفضلة حذف المنتج للمفضلة
- رقم الموديل: 838102169789
-
مشاركة: